وهبة الزحيلي
106
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
تُدِيرُونَها أي تقبضونها ولا أجل فيها ، والمراد تتعاملون بها يدا بيد . وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ نهي عن وقوع الضرر من الجانبين ، فلا يضر الكاتب والشاهد صاحب الحق ومن عليه الحق بتحريف أو زيادة أو نقص ، أو امتناع من الشهادة أو الكتابة ، ولا يضرهما صاحب الحق بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة . وَإِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتم عنه فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ خروج عن الطاعة لا حق بكم . وَاتَّقُوا اللَّهَ في أمره ونهيه وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ مصالح أموركم . وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين وتداينتم ، وبينت السنة جواز الرهن ووجود الكاتب في الحضر . وذكرت حالة السفر ؛ لأن التوثيق فيه أشد فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ تستوثقون بها ، ودل قوله : مقبوضة على اشتراط القبض في الرهن ، والاكتفاء بقبض المرهون من المرتهن أو وكيله . فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي أمن الدائن المدين على حقه ، فلم يرتهن أو لم يكتب الدين فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أي المدين أَمانَتَهُ دينه وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في أدائه وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ إذا دعيتم لأدائها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ خص القلب بالذكر ؛ لأنه محل الشهادة ، ولأنه إذا أثم تبعه غيره ، فيعاقب عليه معاقبة الآثمين . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم . المناسبة : لما ذكر اللّه تعالى الإنفاق وجزاءه الطيب ، والربا وقباحته وخطره ، أعقبه بذكر القرض الحسن بلا فائدة ، والتعامل بالدين المؤجل ، وطريق توثيقه وحفظه بالكتابة والشهادة والرهن ، وطريق تنميته بالتجارة التي تقتضي السرعة ، ففي الصدقة والقرض الحسن تراحم وتعاون ، وفي الربا قسوة وطغيان ، وفي أحكام التعامل بالدين المؤجل والتجارة الحاضرة غاية الحكمة والمصلحة والعدل ؛ إذ من يؤمر بالإنفاق والصدقة والقرض ، وينهى عن التعامل بالربا لا بد له من تنمية ماله بالتجارة ، وحفظ حقه من الضياع . فتكون مناسبة الآية لما قبلها بيان حالة المداينة الواقعة في المعاوضات الجارية بين الناس ، ببيع السلع بالدين المؤجل ، بطريقة تحفظ الأموال وتصونها عن الضياع ، بعد بيان حكم التعامل بالربا ومنعه ، أو أن المراد بيان كيفية حفظ المال الحلال ، بعد بيان الإنفاق في سبيل اللّه وتحريم الربا ، اللذين يترتب عليهما نقص المال إما حالا أو مآلا .